الحمد للّه رب العالمين أمَّا بعد:
سنبدأ اليوم بما وعدناكم به من ذِكر قصَّة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام؛ وهو رسول الله، وأوَّل الرُّسل إلى أهل الأرض.
لمَّا أنزل اللّه تبارك وتعالى آدم وحوًّاء من الجنَّة إلى الأرض بدأ تناسل الخلق -البشر - على الأرض، وكان النَّاس في ذاك الوقت على التَّوحيد، يعني ما كنت تجد أحدًا منهم يعبد غير اللّه؛ فلا ترى منهم من يعبد صنمًا ولا حجرًا ولا ولِّيا ولا صالحًا ولا نجمًا ولا غير ذلك؛ عبادتهم خالصة للّه سبحانه وتعالى، فإذا دعا أحدهم يدعو اللّه، وإذا لجأ يلجأ إلى اللّه، وإذا أراد رزقًا سأل اللّه سبحانه وتعالى، وإذا تقرَّب بذبح أو نذر أو غير ذلك تقرًب إلى اللّه سبحانه وتعالى وحده؛ هذا ما كانوا يفعلونه، فكان النَّاس على التَّوحيد بهذا المعنى وبقوا على هذا الحال.
وقد جاء في الأثر عن ابن عباس وفي حديث- من حديث أبي أمامة- أنّ بين آدم ونوح عشرة قرون، ذكر ابن عباس أنَّهم كانوا على الإسلام على التَّوحيد.
والمقصود من القرن مائة سنة أو المقصود جيل كامل؛ هذا فيه خلاف.
المهم كان زمن طويلًا النَّاس فيه موحدُون؛ وقدَّر الله سبحانه وتعالى وحصلت حالات وأسباب غيَّرت هذا التَّوحيد، آلَ الحال بأهل ذلك الزَّمان إلى عبادة الأصنام بعد تلك القرون الصَّالحة فماذا حصل؟
كان في قوم نوح رجال صالحون هم: ودّ وسُواع ويَغوث ويَعوق ونَسر؛ هذه أسماء رجال صالحين كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وهم من قوم نوح.
فلمَّا ماتوا قال الشيطان لقوم نوح: إن هؤلاء - يعني وَدًّا وسُواع ويَغوث ويَعوق ونسرا- هؤلاء رجال صالحين اعملوا لهم أنصابًا وتماثيل في ناديكم - والنادي مجلس يجتمع فيه القوم، كانوا يجلسون فيها- قال لهم: اصنعوا أنصًابا وسمُّوها بأسمائهم ففعلوا ذلك.
في بداية الأمر لم تُعبد، ولكن أراد الشَّيطان أن ينتقل بهم خطوة خطوة، هذه الخطوة الأولى من خطوات الشَّيطان؛ فوسوس لهم بذلك أن يعملوا لهم أصنامًا وأنصابًا ويجعلوها في أماكن جلوسهم حتَّى يتّذكروا عبادتهم -في زعمهم- ويعبدون كما عبدوا، حتَّى طال الزّمن على أولئك القوم، فسمُّوا هذه الأنصاب بأسماء هؤلاء الرِّجال الصَّالحين.
ففي بداية الأمر لم تُعبد تلك الأنصاب حتَّى هلك ذلك الجيل؛ طال الزَّمن بالنَّاس حتّى نَسي النَّاس العلم؛ نسي الناس التّوحيد ونسَوا الشرك وما هو الشّرك وما هو التّوحيد، فلم يعد الواحد منهم يميِّز بين التَّوحيد والشِّرك فنُسي العلم
فجاءهم الشَّيطان ووسوس لهم أنّ أجدادكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، وسوس لهم: إذا عبدتموها فعلتْ لكم وفعلت لكم، حتّى أوقعهم في عبادتها مع نسيان العلم.
هذه النّقطة مهمّة جدّا؛ متى يقع الشّرك في الناس؟
متى نسيَ النّاس ما هو التّوحيد وما هو الشّرك ولم يعد الواحد منهم يميّز بين الشِّرك والتوحيد ولا يعرفه، فمن السّهل جدًا أن يقع في الشرك بعد ذلك، وهذا ما حصل معهم، فوقعوا في الشِّرك فعبدوا تلك الأصنام.
قال ابن عباس: (وصارت هذه الأوثان الّتي كانت في قوم نوح في العرب بعد)
يعني صارت في القبائل العربية، أخذوا هذه الأصنام وصاروا يعبدونها مع اللّه تبارك وتعالى.
والمقصود: انتشر الفساد في الأرض وعمَّ البلاء بعبادة الأصنام فيها، ومن سُنَّة الله تبارك وتعالى أنّ الأرض إذا عمَّ الشِّرك فيها وانتشر الفساد بعث لأهلها من يقيم عليهم الحُجَّة ويبيِّن لهم الطّريق المستقيم ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة؛ وهذا ما حصل هنا، فلما انتشر الشِّرك وكثُر الفساد فيهم بعث اللّه تبارك وتعالى نوحًا عليه الصَّلاة والسَّلام؛ يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته وكمال أخلاقه فكان يدعوهم ويقول لهم: {يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ}
هذه دعوة نوح عليه السّلام لقومه، فكان نوح أوَّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما جاء في الصّحيحين أنّ أهل الموقف يأتون إلى نوح فيقولون له: يا نوح أنت أوَّل الرُّسل إلى أهل الأرض سمَّاك الله عبدًا شكورًا.
المهم لمّا بعث اللّه سبحانه وتعالى نوحًا إلى قومه دعاهم إلى إفراد العبادة للّه وحده لا شريك له وأن لا يعبدوا معه صنمًا ولا تمثالًا ولا طاغوتًا ولا أيّ شيء، وأن يعترفوا أن العبادة للّه وحده لا شريك له؛ وهذه دعوة الأنبياء جميعًا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}
دعاهم نوح إلى التَّوحيد وقال: {يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} رغّبهم وبيّن لهم أنّه ينذرهم؛ خوّفهم من عذاب الله إذا لم يفعلوا ذلك، وبيّن لهم أنّهم يجب عليهم أن يعبدوا الله وحده وأن يخافوه بالعمل بطاعته، فإذا فعلوا ذلك غفر لهم ذنوبهم وأخّرهم إلى وقت معلوم.
ذكر اللّه سبحانه وتعالى أنّ نوحًا دعاهم بأنواع الدَّعوة في اللّيل والنّهار بالسّر والإجهار بالتّرغيب تارة وبالتّرهيب أخرى، وكلّ هذا لم ينجع فيهم بل استمر أكثرهم على الضَّلالة والطُّغيان وعبادة الأصنام والأوثان، وحاربوه وعادَوه في كلِّ وقت، وتنقّصوه وتنقصّوا من آمن به وتوعّدوهم بالرّجم والإخراج، حاربوهم على قدر ما يستطيعون، وهذا حال كلّ من جاء يدعو النّاس إلى الحقّ؛ يجد له أعداء يعادون الناس عليه ويلبّسون عليهم ويشوّشون عليه وعلى دعوته ويحاربونه بأنواع الحرب الَّتي يستطيعونها؛ لأنّه يقف في طريق شهواتهم ورغباتهم المختلفة
{قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ} أي السَّادة الكبراء منهم {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} أنت لست على طريق مستقيم، لست على طريق الحقِّ، أنت في ضلال، وضلالك واضح فلست كما تزعم وتقول.
{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} لست كما تزعمون من أني ضالّ {وَلكنّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} بل أنا على الهدى المستقيم، رسول من ربّ العالمين الذي يقول للشّيء كن فيكون
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} هذا حال الرّسل يبلّغون ما أمر الله سبحانه وتعالى عباده به من التّوحيد وطاعة الله، وينصحون للعباد فيبيّنون لهم ما ينجّيهم في الدُّنيا وفي الآخرة
قالوا له فيما قالوا: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ}
تعجّبوا كيف يكون بشراً ورسولاً، قالوا إذا نظرنا إليك فأنت بشر مثلنا مثلك، ما تتفضّل علينا بشيء، حتَّى اتباعك الّذين اتّبعوك ما نراك اتّبعك إلّا الّذين هم أراذلنا؛ الضّعفاء، وهؤلاء حتّى لمّا اتّبعوك اتبعوك {بَادِىَ ٱلرَّأْىِ} يعني بدون تفكر، بدون
تأمّل، بدون تروٍّ، بل باستعجال، سمعوك فأطاعوك مباشرة.
لكن الحقّ لا يحتاج إلى تروٍّ وإلى تفكّر لأنّه ظاهر واضح جليّ ما الّذي تتفكّر في أمر واضح.
أمّا كَون الفقراء هم الّذين اتّبعوه، فهؤلاء اتباع الأنبياء كما قال هرقل لأبي سفيان لمّا سأله من اتّبعه؟ أشراف النّاس أم ضعفاؤهم -فقرائهم-؟
قال: بل فقرائهم، قال: هؤلاء هم أتباع الأنبياء.
الأشراف وأصحاب الجاه وأصحاب المال يمنعهم شرفهم ومالهم من الإيمان، يخشون أن يضيع سؤددهم- رياستهم- إن آمنوا ويصابون بالكبر.
فطلبوا منه أن يطرد من كان معه من المؤمنين استكبارًا منهم واستنكافًا على الحقّ
فبيّن لهم أنّه ليس به ضلال وأنّه على الطّريق المستقيم وأن من معه لا يحلّ طردهم؛ بل حقّهم الإكرام والاحترام وأنّه لا يدّعي لهم ما لا يملك؛ فقال: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} حتَّى تؤمنوا بي، لا أقول: عندي خزائن اللّه أعطيكم
{وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} حتَّى تتّبعوني على ذلك
{وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا}.
المهم بيّن لهم في البداية أنّه رسول جاء ليبلّغهم رسالة اللّه تبارك وتعالى، جاء ليخلّصهم من الظُّلمات إلى النُّور، جاء ليحذّرهم أنهم إذا لم يطيعوا اللّه سبحانه وتعالى سيُنزل الله عليهم عذابُا وعقابًا شديدًا؛ فاحذروا وانتبهوا وارجعوا إلى ربّكم.
استعمل معهم أساليب في الدّعوة مختلفة منها اللّين واللّطف؛ لأنّ اللّه سبحانه وتعالى أمر به في بداية الدَّعوة، حتَّى يكون أدعى لقبول المدعو كما قال الله سبحانه وتعالى لموسى وأخيه {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخْشَى} لفرعون!
وقال تبارك وتعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }
هذا في البداية إلى أن يتبيَّن عندنا أنَّ المدعو لا يريد الحقّ، يتكبّر، يتعاظم على الحقّ لا يريده؛ عندئذ يختلف الخطاب معه، لكن في بداية الأمر هذا هو المأمورون به نحن، وهذا ما استعمله نوح مع قومه في بداية الدعوة.
{أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} يعني النُّبوّة والرِّسالة {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} لم تفهموها.
وبيَّن لهم أنّه لا يريد منهم أجرًا على هذه الدّعوة {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}.
طال الزّمان وكثرت المجادلة بينه وبين قومه كما قال الله تبارك وتعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} ألف سنة إلّا خمسين سنة وهو يدعوهم إلى التَّوحيد ومع هذا كلّه- مع هذه المدّة الطّويلة- ما آمن به إلّا القليل منهم
يقول ابن كثير رحمه اللّه: (وكان كلّما انقرض جيل وصّوا من بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصّاه فيما بينه وبينه ألا يؤمن بنوح أبدًا ما عاش ودائما ما بقيَ، وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتّباع الحق ولهذا قال: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} ولهذا قالوا: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}
تكلّمت معنا في الموضوع وجادلت كثيراً {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}
خلاص أنهِ الموضوع وأرحنا، ألستَ تعدنا أننا إذا ما أطعنا نزل علينا العذاب؟!
{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} إذا أراد اللّه سبحانه وتعالى أن ينزل عليكم العذاب سينزله والعذاب بيد اللّه ليس بيدي، فإذا أراد اللّه أن ينزل عليكم العذاب سينزله متى شاء {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} لستم معجزين الله سبحانه وتعالى أن يعذّبكم وأن ينزل عليكم ذلك، اللّه لا يعجزه شيء، هو الذي يقول للشيء كن فيكون
{وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فمن يرد اللّه فتنته فلن يستطيع أحد أن يهديَه؛ اللّه الذي يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء وفعَّال لما يريد تبارك وتعالى.
هذا ما حصل بينه وبين قومه، فماذا قال الله تبارك وتعالى لنوح؟
{وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوح} أوحى اللّه سبحانه وتعالى إلى نوح: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ} خلاص انتهى
آمن معه فئة قليلة وهذا هو الحدّ، بعد هذا لا يؤمن أحد منهم {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} لا يسوءنك ما جرى فإن النَّصر قريب والنبأ عجيب.
انتهى البلاغ؛ آمن من آمن، وكفر من كفر، ووصلنا إلى النِّهاية بحيث إنّه لن يؤمن أحد من قومه معه بعد ذلك.
قال اللّه تبارك وتعالى له بعد ذلك: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}
لمّا يئس نوح عليه السَّلام من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنّهم لا خير فيهم، وٱذَوه وخالفوه وكذّبوه وحاربوه وأبغضوه بكلِّ الطُّرق، دعا عليهم دعوة غضب لله؛ فلبّى الله دعوته وأجاب له.
قال اللّه تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} نادى نوح ربّه فنعم المجيبون -يعني الله- سبحانه وتعالى سيجيبه
{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} نجَّى اللّه سبحانه وتعالى نوحاً ومن آمن معه من أهله.
ماذا قال نوح في ندائه لمَّا نادى الله؟ بماذا دعا اللّه؟ ماذا قال في دعائه؟
{قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} واللّه أعلم؛ يعلم الله سبحانه وتعالى، ولكن نوحاً يشكوهم إلى ربّه تبارك وتعالى
قال: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} واحكم بيني وبينهم {وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
الدُّعاء عليهم بالهلاك وأن يُنجيه الله سبحانه وتعالى ومن معه من المؤمنين .
وقال تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}
وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ}
وقال: {مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا }
إذا بقي هؤلاء؛ بقي قوم يوصي بعضهم بعض بالكفر وبقُوا يضلّون عباد الله ولا يلدوا إلا فاجرًا كفّارا، -كفرة-.
فاجتمع عليهم ما فعلوه من كفر وخطايا ودعوة نوح عليه السّلام دعوة نبيّ الله.
وبعد ذلك أمره اللّه أن يصنع الفلك- السَّفينة- وهي سفينة عظيمة
يقول ابن كثير:(وهي السَّفينة العظيمة الّتي لم يكن لها نظير قبلها- مالها مثيل- ولا يكون بعدها مثلها)
تصوّر سفينة ضخمة ستحمل على ظهرها المؤمنين جميعًا مع ما أمره الله سبحانه بحمله من كلِّ زوجين اثنين واهله!
وقد قال اللّه سبحانه وتعالى له أنّهم إذا جاء أمره وحلّ بهم بأسه الّذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين أنّه لا يُعاوده فيهم ولا يراجعه؛ لأنًه ربّما تدركه الرِّقة على قومه لمَّا يرى نزول العذاب بهم فليس الخبر كالمعاينة؛ فقال الله سبحانه وتعالى له: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} إذا نزل العذاب انتهى الموضوع، لا تخاطبني، لا تكلّمني في أمرهم.
وأخذ نوح عليه السَّلام في صنع السَّفينة.
أين يصنع السَّفينة؟ في مكان لا ماء فيه: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} يستهزؤون به؛ كيف يصنع السَّفينة في مكان لا يوجد فيه ماء ؟
كلمَّا مرَّ عليه جماعة من أشراف قومه- كَفَرتهم- يسخرون منه، ويستهزؤون
{قَالَ} نوح عليه السّلام: {إِن تَسْخَرُوا مِنَّا} من صنع السَّفينة الآن في هذا الموضع {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} نحن الذين سنسخر منكم ونتعجب منكم على استمراركم على كفركم وعنادكم الًذي يقتضي وقوع العذاب بكم
{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }
قال ابن كثير -رحمه اللّه-:(وقد كانت سجاياهم الكفر والعناد البالغ في الدُّنيا وهكذا في الآخرة لأنّهم يجحدون أيضًا أن يكون قد جاءهم من اللّه رسول كما قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: "يجيء نوح وأمّته فيقول الله عزّ وجلّ: هل بلغت؟ فيقول: أي ربي، فيقول: لأمّته هل بلّغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبيٍّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته فتشهد أنّه قد بلّغ ".
وهو قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
المهم: أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى نوح أن يصنع السَّفينة فأخذ بصنعها
قال الله سبحانه وتعالى له: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}
يعني اصنعها بمرأى منّا بصنعتك لها وبأمرنا لك وبمشاهدتنا لك لنرشدك إلى الصَّواب في صنعتها
{فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}
يقول الله سبحانه وتعالى له هنا: {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} إذا جاء وقت العذاب على قوم نوح وأمر الله سبحانه وتعالى التّنور بإخراج الماء وكذلك أمر السّماء بإنزال الماء سيكون الطّوفان {فَاسْلُكْ فِيهَا}: في السّفينة فاحمل في هذه السّفينة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}
من الحيوانات وسائر ما فيه روح من الحيوانات وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها؛ هكذا قال ابن كثير -رحمه الله-
{وَأَهْلَكَ} وأن يحمل معه أهله- أي أهل بيته- {إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ}
أي إلّا من كان كافرًا فإنّه قد نفذت فيه الدِّعوة الّتي لا تُرد، ووجب عليه حلول البأس الّذي لا يُرد وأمره ألا يُراجعه فيهم إذا حلّ فيهم العذاب.
(التّنور): معروف المقصود بها التي هي بيوت النّار التي تُصنع لعمل الخبز وما شابه
وبعض العلماء قال: هي وجه الأرض، يعني أنّ الماء سينبع من كلّ مكان وتنزل المياه أيضًا من السَّماء حتّى يحصل الطّوفان ويغرق أهل الأرض إلّا من كان في السّفينة مع نوح
وقال له: {وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} يعني احمل فيها أيضًا من آمن بك من أمّتك وما آمن معه إلّا قليل من النّاس.
فحصل ذلك وفعل نوح ما أمره الله سبحانه وتعالى به ففجّر الله الأرض عيونًا وأمر السَّماء أن تصبّ الماء المُنهمر الكثير، فالتقت فيه المياه- مياه السّماء ومياه الأرض- وكَثُرت وارتفعت شيئًا فشيئا والسَّفينة تجري بهم في موج كالجبال تضرب يمنة وشمالًا {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَال} كما قال اللّه سبحانه وتعالى:
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِر وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ }
دسر: المسامير ذات ألواح ودسُّر السَّفينة
{ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } بحفظنا وحراستنا ومشاهدتنا لها
قال جماعة من المفسّرين : ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض وعمَّ جميع الأرض طولها وعرضها سهلها وحَزَنها جبالها وقفارها ورمالها ولم يبقَ على وجه الأرض ممَّن كان بها من الأحياء عين تَطرِف و لا صغير ولا كبير.
والسَّفينة ترتطم في هذه الأمواج رأى نوح ابنه، وهذا الابن كان كافرًا عمل عملًا غير صالح فخالف أباه في دينه .
{وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} منعزل عن أبيه {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا} اركب معنا في السّفينة {وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ}
قال الابن: سآوي إلى جبل سأحتمي بالجبل {يَعْصِمُنِي} يحميني والتجئ إليه
{مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } لا مكان يحميك اليوم أمر اللّه، جاء العذاب وانتهى الأمر { إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ}
{وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} فكان الابن من المغرقين.
فغرق الابن وأغرق الله جميع الكافرين، ونجَّى نوحًا ومن معه اجمعين
{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ} يعني السَّفينة، يعني أمر الله سبحانه وتعالى المياه أن تتوقف وأن تجفّ عن الأرض واستوت السَّفينة على جبل يُقال له: "الْجُودِيِّ"
{وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} يعني نوديَ عليهم بُعدًا لهم من الرّحمة والمغفرة.
قال الشّيخ السّعدي -رحمه اللّه -:(وكان في ذلك آية على أن ما جاء به نوح من التَّوحيد والرِّسالة والبعث والدّين حقٌ ، وأنّ من خالفه فإنّه مُبطل ودليل على الجزاء في الدّنيا لأهل الإيمان بالنّجاة والكرامة ولأهل الكفر بالهلاك والإهانة )
-يعني هذا أمر عام وليس خاصاً فقط بالأنبياء ومن خالفهم من الكفّار -
(قال: فلمَّا حصل هذا المقصود العظيم أمر اللّه السّماء أن تُقلع عن الماء والأرض أن تبلَع ما فيها وغيض الماء أي نقص شيئا فشيئا، واستوت السّفينة بعد غيض الماء على الجودي وهو جبل شامخ معروف نواحي المَوْصل.
وهذا دليل على أنّ جميع الجبال قد غمرتها المياه وجاوزها الطُّوفان وحزن نوح على ابنه وقال مناديًا ربه متضرعًا: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ}
وعدتني أن أحمل معي أهلي وأنت أرحم الرّاحمين.
فقال له ربّه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي الموعود بنجاتهم، لأنّ اللّه قيّد ذلك بقوله: {إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}
{إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} أي هذا الدُّعاء لابنك الّذي هو على دين قومه بالنّجاة، أو إنّه عمِل غير صالح يعني عمل ابنك عملًا غير صالح.
{ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}
قال الشّيخ السّعدي -رحمه الله -: (هذا عتاب منه لنوح وتعليم له وموعظة عن مثل هذا الدّعاء الّذي إنّما حمله عليه الشّفقة الأبويَّة وإنّما الواجب في الدُّعاء أن يكون الحامل له العلم والإخلاص في طلب رضا اللّه سبحانه وتعالى)
فقال نوح: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }
فهبط وبارك اللّه في ذرّيته وجعل ذرّيته هم الباقين فكان أولاده: يافث ملأ المشرق من الذرّيَّة، وحام ملأ المغرب من النّسل، وسام ملأ ما بين ذلك.
ومكث في قومه ألف سنّة إلّا خمسين عامًا ومكث بعد هلاكهم ما شاء الله وكان من أولي العزم من المرسلين، ومن الخمسة الّذين تدور عليهم الشَّفاعة يوم القيامة وهو أوّل الرّسل إلى النّاس وهو الأب الثّاني للبشر صلَّى اللّه عليه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
ثمّ ذكر الشيخ السّعدي -رحمه اللّه - فوائد كثيرة من قصَّة نوح عليه السَّلام ومنها:
قال: أن جميع الرّسل من نوح إلى مُحمَّد صلّى الله عليه وسلّم متَّفقون على الدّعوة إلى التّوحيد الخالص والنّهي عن الشّرك، فنوح وغيره أوّل ما يقولون لقومهم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ويكرِّرون هذا الأصل بطرق كثيرة
ثمّ ذكر آداب الدّعوة وتمامها... إلى آخره
لكن هنا أنا أركّز: نحن الآن نقوم بما قام به الأنبياء والرّسل وهو دعوة النّاس إلى التّوحيد وإلى اتّباع سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وندعوهم كما كان عليه الأنبياء في بداية دعوتهم للنّاس تكون برفق ولين وحكمة وبكلمة حسنة، خاصَّة ونحن في زمان قد كثُر فيه الجهل وابتعد النّاس عن دين اللّه واتّبعوا شهواتهم وصار عند كثير من الناس زهد في تعلّم العلم الشّرعيّ لذلك نتلطّف بهم ونحاول أن نوصل لهم الكلمة -كلمة الحقِّ- بأحسن أسلوب ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلِك من هلك عن بيّنة ولنقوم بما أمرنا الله سبحانه وتعالى من تبليغ دينه وشرعه.
واللّه أعلم والحمد لله.