تفسير سورة هود 84-99
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)﴾
{و} أرسلنا {إِلَى مَدْيَنَ} قال ابن كثير: "وهم قبيلة من العرب، كانوا يسكنون بين الحجاز والشام، قريبًا من بلاد معان، في بلد يعرف بهم، يقال لها: "مدين"". انتهى.
ومعان جنوب الأردن اليوم.
قال ابن كثير: فأرسل الله إليهم شعيباً، وكان من أشرفهم نسبًا. ولهذا قال: {أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}. انتهى؛ أرسله منهم؛ لأنهم يعرفونه ويعرفون صدقه.
فـ {قَالَ} شعيب لقومه {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} اخضعوا وتذللوا له بالطاعة، خضوعًا وتذللًا تامًّا ناشئا عن المحبة والتعظيم {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ليس لكم معبود غيرَه فأخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: {وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} إذا كلتم للناس أو وزنتم لهم فلا تنقصوا المكيال والميزان، فتنقصوا من حقوق الناس.
{إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: أن الله قد وسع عليكم في الرزق من المال والصحة وغير ذلك من خيرات الدنيا، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله، فيزيلها عنكم.
{وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} أي: عذابا يحيط بكم ويدرك كل أحد منكم، ولا يبقي منكم باقية، إذا خالفتم أمره.
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)﴾
{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا} أتموا {الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} بالعدل، أي إذا كلتم للناس أو وزنتم فأتموا لهم المكيال والميزان بالعدل {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: لا تُنقصوا من حقوق الناس، التي يجب عليكم أن تعطوها لهم تامة، كيلا أو وزنا أو غير ذلك.
{وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} ولا تسيروا في الأرض مفسدين بعمل المعاصي، فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾
{بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إعطاء الناس حقوقهم بالعدل، فهو أكثر نفعًا وبركة من الزيادة الحاصلة بالحرام.
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} حقًّا فارضَوا بتلك البقية {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: لست أراقب أعمالكم وأحصيها وأحاسبكم عليها؛ وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)﴾
{قَالُوا} قال قوم شعيب له {يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ} التي تصليها لله {تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الأصنام والأوثان.
{أَوْ أو أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} وتأمرك أن نترك التصرف في أموالنا بما نشاء؟!
{إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ} قال الطبري: "وهو الذي لا يحمِلُه الغضبُ أن يفعَلَ ما لم يكنْ ليفعَلَه في حالِ الرضا" {الرَّشِيدُ} سديد الرأي، الذي يحسن التقدير.
قال الطبري: "وأما قولُهم لشعيبٍ: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} فإنهم أعداءُ اللهِ، قالوا له ذلك استهزاءً به، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلامِ". انتهى
قال غير واحد من علماء اللغة: "جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنه كِنايةٌ عَنْ أَنهم قَالُوا: إِنك لأَنتَ السَّفِيهُ الْجَاهِلُ، وَقِيلَ: إِنهم قَالُوهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ؛ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مِنْ أَشدّ سِبابِ الْعَرَبِ أَن يَقُولَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ إِذا اسْتَجْهَلَهُ: "يَا حَلِيمُ"، أَي أَنت عِنْدَ نَفْسِكَ حَلِيمٌ، وَعِنْدَ النَّاسِ سَفِيهٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عز وجل: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}؛ أَي بِزَعْمِكَ وَعِنْدَ نَفْسِكَ، وأَنتَ المَهِينُ عِنْدَنَا". انتهى
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾
{قَالَ} لهم شعيب: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} أخبروني {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} على برهان واضح من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله وحده، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} يعني حلالا طيباً.
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} وأنا لا أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أفعل خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.
{إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} لا أريد إلا إصلاحكم بدعوتكم إلى توحيد ربكم وطاعته قدر استطاعتي {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ} أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي
{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: اعتمدت عليه في كل أموري، وفوضت أمري إليه {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} وإليه أرجع، قال السعدي: في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي هذا التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات.
وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}، وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)﴾
{وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي: لا تحملنكم مخالفتي وعداوتُكم لي على التكذيب بما جئت به، خوف {أَنْ يُصِيبَكُمُ} أن ينالكم من العذاب {مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} هلاكهم، وقد علمتم ما أصابهم، فاعتبروا بهؤلاء.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)﴾
{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} واطلبوا المغفرة من ربكم عما فعلتم من الذنوب {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} ثم ارجعوا إلى طاعته.
{إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} بمن تاب وأنابَ إليه، أن يعذِّبَه بعد التوبةِ {وَدُودٌ} يقولُ: ذو محبةٍ لمن أناب وتاب إليه، يَوَدُّه ويُحبُّه. قاله الطبري رحمه الله.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)﴾
{قَالُوا} قال قوم شعيب لشعيب {يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} أي لا نفهم {كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} مما يدعوهم إليه، أي: تضجروا من نصائحه ومواعظه لهم، فقالوا: {ما نفقه كثيرا مما تقول} وذلك لبغضهم لما يقول، ونفرتهم عنه.
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي: أنت واحد، وعشيرتك ليست على دينك.
قال السمعاني: فِي الضَّعِيف أَقْوَال -أي في معنى قولهم "ضعيفاً" أقوال للمفسرين، قال: - أَكثر الْمُفَسّرين أَن الضَّعِيف هَاهُنَا: هُوَ ضَرِير بالبصر. وَيُقَال: إِنَّه لُغَة حمير.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الضَّعِيف هُوَ الضَّعِيف فِي الْبدن.
وَالثَّالِث: أَنه قَلِيل الأتباع". انتهى
القول الثالث هو الصواب الذي تشير إليه الأدلة، ولا دليل من قرآن أو سنة يدل على القول الأول والثاني، وإنما هي آثار عن السلف. والله أعلم
{وَلَوْلا رَهْطُكَ} أي: معزة قبيلتك، واحترامنا لها {لَرَجَمْنَاكَ} لرميناك بالحجارة حتى تموت {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي: ليس لك قدر ومعزة في صدورنا، ولا احترام، وإنما احترمنا قبيلتك، لذلك تركناك.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)﴾
فـ {قَالَ} لهم {يَا قَوْمِ أَرَهْطِي} أقبيلتي {أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} أي: كيف تراعوني لأجل رهطي، ولا تراعوني لله، فصار رهطي أعز عليكم من الله.
{وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أي: جعلتم أمر الله وراء ظهوركم، ولم تبالوا به، ولا خفتم منه.
قال الطبري رحمه الله: يقولُ تعالى ذِكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ أَعْزَزْتُم قومَكم، فكانوا أعزَّ عليكم مِنَ اللهِ، واستخفَفْتُم بربِّكم، فجعَلتموه خَلْف ظهورِكم، لا تأتمرون لأمرِه، ولا تخافون عقابَه، ولا تعظِّمونه حقَّ عظمتِه.
يقالُ للرجلِ إذا لم يقضِ حاجةَ الرجلِ: نبذَ حاجتَه وراءَ ظهرِه. أي: ترَكَها لا يلتفتُ إليها، وإذا قضاها قيل: جعَلها أمامَه ونُصْبَ عينيه. ويقال: ظَهَرتَ بحاجتي، وجَعَلتَها ظِهْرِيَّةً أي: خلفَ ظهرِك". انتهى
{إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} إن ربي محيط علمه بعملكم، فيعلم كل ما تعملونه، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها في الدنيا، وفي الآخرة.
﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)﴾
{و} قال لهم شعيب لما يئس من طاعتهم له: {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا} ما تستطيعونه {عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على طريقتكم التي ارتضيتموها. قال ابن كثير: وهذا تهديد شديد".
{إِنِّي عَامِلٌ} على طريقتي بما أستطيعه {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ} منا {يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يذله عقاباً له.
{وَارْتَقِبُوا} فانتظروا ما يحل بي وبكم {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} إني معكم منتظر.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)﴾
{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} بنزول العذاب بقوم شعيب وإهلاكهم {نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} له ولمن آمن به {وَأَخَذَتِ} وأصابت {الَّذِينَ ظَلَمُوا} الذين كفروا من قوم شعيب {الصَّيْحَةُ} صوت شديد مهلك فماتوا {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ} في أرضهم وبلدتهم {جَاثِمِينَ} ساقطين ميتين، لا تسمع لهم صوتاً، ولا ترى منهم حركة.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)﴾
{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كأنهم ما عاشوا في ديارهم من قبل، ولا تنعموا فيها حين أتاهم العذاب.
{أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ} قِيلَ: بُعْدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. أي طرداً من رحمة الله، وَقِيلَ: هَلَاكًا.
فلِلْبُعْدِ مَعْنَيَانِ كما تقدم: أَحَدُهُمَا ضِدُّ الْقُرْبِ. وهذا هنا بمعنى الطرد.
وَالْآخَرُ: بِمَعْنَى الْهَلَاكِ {كَمَا بَعِدَتْ} كما طردت أو أهلكت {ثَمُودُ} أي: قد اشتركت هاتان القبيلتان في السحق والبعد والهلاك.
وذكر السعدي هنا فوائد من قصة شعيب نذكر منها:
أن الكفار، كما يعاقبون، ويخاطبون، بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأن شعيبا دعا قومَه إلى التوحيد، وإلى إيفاءِ المكيالِ والميزان، وجعل الوعيد مرتبا على مجموع ذلك.
ومنها: أن نقص المكاييل والموازين، من كبائر الذنوب، وتُخشى العقوبةُ العاجلةُ، على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقةِ أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبةً للوعيد، فسرقتُهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى.
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فمن بَخَسَ أموالَ الناس، يريد زيادة ماله، عُوقبَ بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: فلا تُسبِّبوا إلى زواله بفعلكم.
ومنها: أن على العبد أن يَقنعَ بما آتاه الله، ويَقنعَ بالحلال عن الحرام، وبالمكاسبِ المباحةِ عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة.
ومنها أن وظيفةَ الرُّسلِ وسنتَهم ومِلتَهم؛ إرادةُ الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يُقدَر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلِها ويُراعُونَ المصالحَ العامةَ على المصالحِ الخاصةِ.
وحقيقة المصلحة، هي: التي تَصلُحُ بها أحوالُ العبادِ، وتستقيمُ بها أمورُهم الدينيةُ والدنيويةُ.
ومنها: أن من قام بما يَقدرُ عليه من الإصلاحِ لم يكن ملومًا ولا مذمومًا في عدم فعلِه ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يُقيمَ من الإصلاحِ في نفسه وفي غيرِه ما يقدر عليه.
ومنها: أن العبد ينبغي له ألا يَتكلَ على نفسهِ طَرفةَ عينٍ، بل لا يزالُ مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق، وإذا حصل له شيءٌ من التوفيق فلينسبه لمُولِيه ومُسدِيه، ولا يُعجَبُ بنفسه؛ لقوله {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}
ومنها: الترهيبُ بأخذات الأمم وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تُذكرَ القصص التي فيها إيقاعُ العقوباتِ بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر.
كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى
ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسبابٍ كثيرةٍ قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهلِ وطنهم الكفار، كما دفع اللهُ عن شعيبٍ رجمَ قومِه بسبب رَهطِهِ، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تَعيَّن ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب على حسب القُدرةِ والإمكان.
فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت وِلاية الكفار، وعمِلوا على جعل الوِلايةِ جمهوريةً، يتمكن فيها الأفرادُ والشعوبُ مِن حقوقهم الدينية والدنيوية؛ لكان أولى من استسلامِهم لدولةٍ تقضي على حقوقِهِم الدينية والدنيوية، وتحرصُ على إبادِتها وجعلهم عَمَلَةً وخَدَمًا لهم.
نعم إن أمكنَ أن تكونَ الدولةُ للمسلمين وهم الحكامُ؛ فهو المتعين، ولكن لعدمِ إمكانِ هذه المرتبةِ، فالمرتبةُ التي فيها دفعٌ ووقايةٌ للدين والدنيا مقدمةٌ. والله أعلم. انتهى باختصار.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96)﴾
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى} بنَ عمران {بِآيَاتِنَا} الدالة على صدق ما جاء به، كالعصا، واليد ونحوهما، من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام.
{وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي: حجة ظاهرة بينة، ظهرت ظهور الشمس.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)﴾
أرسلناه {إِلَى فِرْعَوْنَ} ملك القبط الذين كانوا يسكنون مصر {وَمَلَئِهِ} أي: أشراف قومه؛ لأنهم المُتبَعون، وغيرُهم تبع لهم، فلم يؤمنوا بما جاء به موسى، ولكنهم {فَاتَّبَعُوا} فاتبع هؤلاء الأشراف {أَمْرَ فِرْعَوْنَ} لهم بالكفر وتكذيب موسى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ} وليس أمر فرعون لهم بالكفر {بِرَشِيدٍ} بصواب، فهو لا يهدي إلى الحق، ولا يؤدي إلى النجاة، بل يوصل إلى جهنم.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)﴾
{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يتقدم فرعون قومَه يوم القيامة {فَأَوْرَدَهُمُ} فأدخلهم {النَّارَ} حتى يدخلهم النار معه {وَبِئْسَ الْوِرْدُ} ساء وقبح المكان الذي يُدخل {الْمَوْرُودُ} المدخول.
يعني ساء وقبح المكان الذي يدخلونه، وهي النار.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)﴾
{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ} أي في الدنيا {لَعْنَةً} طردا من رحمته {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} ويوم القيامة أيضاً يلعنون لعنة أخرى.
{بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} أي ساء وقبح، ما اجتمع عليهم من لعنة الدنيا ولعنة الآخرة التي تبعتها.
قال البغوي: {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ}: أَيِ: الْعَوْنُ الْمُعَانُ. وَقِيلَ: الْعَطَاءُ الْمُعْطَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَتَانِ، لَعْنَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَعْنَةٌ فِي الْآخِرَةِ.
وقال السمعاني: {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} يَعْنِي: بئست اللَّعْنَةُ بعدَ اللَّعْنَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: "أَي: بئس العَونُ المُعانُ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: أَن اللَّعْنَةَ جُعِلت لَهُم فِي مَوضِع المعونة. وَقيل: بئس الْعَطاء الْمُعْطَى". انتهى