تفسير سورة هود 100-109
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)﴾
{ذَلِكَ} الذي ذكرناه لك في هذه السورة {مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى} من أخبار القرى التي أهْلَكْنا أهلَها بسبب كفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم رسلَه {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} نخبرك به لتنذر به ويكون آية على رسالتك وموعظة وذكرى للمؤمنين.
{مِنْهَا} من تلك القرى {قَائِمٌ} بنيانه لم يتلف بل بقي من آثار ديارهم ما يدل عليهم {وَ} منها {حَصِيدٌ} قد تهدمت مساكنهم واضمحلت منازلهم فلم يبق لها أثر.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)﴾
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بأخذهم بأنواع العقوبات {وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالشرك والكفر والعناد؛ فاستحقوا العقوبة لذلك.
{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} فما دفعت عنهم آلهتهم {الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} التي كانوا يعبدونها من دون الله {مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} ما دفعتم عنهم ما نزل بهم من عذاب حين جاء أمر ربك -أيها الرسول- بإهلاكهم.
وهكذا كل من التجأ إلى غير الله لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد.
{وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} وما زادتهم آلهتهم هذه إلا خسرانًا وهلاكًا وتدميراً.
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}
يقولُ عز وجل: وكما أخَذْتُ، أَيُّها الناسُ، أهلَ هذه القرى التي ذكرت لكم خبرها، بما أخَذْتُهم به من العذابِ، فكذلك أخْذي القرى وأهلَها، إِذا أَخَذْتُهم بعقابي {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ} يقولُ: إِن أَخْذَ ربِّكم بالعقابِ مَن أَخَذه {أَلِيمٌ} مُوجِعٌ، {شَديدُ} الإيجاعِ.
قال الطبري رحمه الله: وهذا أمرٌ مِن اللهِ عز وجل تحذيرٌ لهذه الأمَّةِ أن تسلكَ في معصيتِه طريقَ مَن قبلَهم مِن الأممِ الفاجرةِ، فيَحِلَّ بها ما حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ. انتهى
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)﴾
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور مِن أخذه للظالمين بأنواع العقوبات {لآيَةً} لعبرة وعظة {لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ} لمن خاف عذاب يوم القيامة.
ثم انتقل من هذا، إلى وصف الآخرة فقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ} يعني يوم القيامة {مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} أي: جمعوا لأجل ذلك اليوم، للمجازاة، وليظهر لهم من عظمة الله وسلطانه وعدله العظيم، ما به يعرفونه حق المعرفة.
{وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} أي: يشهده الله وملائكته، وجميع المخلوقين.
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)﴾
{وَمَا نُؤَخِّرُهُ} أي: إتيان يوم القيامة {إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ} إلا لأن له أجلا معلوماً، قضاه الله له.
قال الطبري: يقولُ عز وجل: وما نُؤَخِّرُ يومَ القيامةِ عنكم؛ أن نَجيئَكم به إلّا لأنّ اللهَ قضَى له أجلًا، فعدَّه وأحصاه، فلا يَأْتي به إلا لأجلِه ذلك، لا يَتَقَدَّمُ مجيئُه قبلَ ذلك، ولا يَتَأَخَّرُ عنه. انتهى
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)﴾
{يَوْمَ يَأْتِ} ذلك اليوم، ويجتمع الخلق {لا تَكَلَّمُ} أي لا تتكلم {نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ} لا يتكلم أحد حتى الأنبياء والملائكة الكرام، لا يتكلمون إلا بإذنه {فَمِنْهُمْ} أي: الخلق المكلفون {شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} فهم نوعان: شقي يدخل النار، وسعيد يدخل الجنّة.
فالأشقياء، هم الذين كفروا بالله، وكذبوا رسله، وعصوا أمره، والسعداء، هم: المؤمنون المتقون.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)﴾
{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} فأما الأشقياء لكفرهم وعصيانهم {فَفِي النَّارِ} فيدخلون في النار {لَهُمْ فِيهَا} من شدة ما هم فيه {زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}.
قال قتادةَ: صوتُ الكافرِ في النارِ صوتُ الحمارِ، أولُه زَفيرٌ، وآخرُه شَهِيقٌ.
وقال الطبري: {زَفِيرٌ} وهو أولُ نُهاقِ الحمارِ وشِبْهِه، {وَشَهِيقٌ} وهو آخرُ نَهِيقِه إذا ردَّده في الجوفِ عندَ فراغِه مِن نُهاقِه. انتهى
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)﴾
{خَالِدِينَ فِيهَا} ماكثين في النار {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} أبداً، قال الطبري: أبدًا؛ وذلك أن العربَ إذا أرادت أن تَصِفَ الشيءَ بالدوامِ أبدًا، قالت: "هذا دائمٌ دَوامَ السماواتِ والأرضِ". بمعنى أنه دائمٌ أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اخْتَلَف الليلُ والنهارُ"، "وما سَمَر ابْنَا سَمِيرٍ"، "وما لأْلأَتِ العُفْرُ بأذنابِها".
يعنُون بذلك كلِّه: أبدًا.
فخاطَبَهم جلَّ ثناؤُه بما يتعارفونه بينَهم، فقال: {خالِدِينَ في النارِ ما دامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ}.
والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا. انتهى
وقال ابن كثير: قلت: ويُحتمَل أن المراد بـ "ما دامت السموات والأرض" الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ}؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} قال: لكل جنة سماء وأرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما دامت الأرض أرضًا والسماء سماء. انتهى
{إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ} إلا مَن شاء اللَّه عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين.
هذا قول.
وقال آخرون: إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: خالدون في النار إلا هذا المقدار.
اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة، ذكر ابن جرير عن جمع من السلف: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها.
قال ابن كثير: وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة.
والقول بفناء النار استدلالا بهذه الآية؛ قول باطل. تقدم القول فيه.
{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته فعله، تبارك وتعالى، لا يرده أحد عن مراده، ولا يَمْنَعُه مانعٌ عن فعلِ ما أرادَ فعلَه بمَن عصاه وخالَف أمرَه مِن الانتقامِ منه.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)﴾
{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} أي: حصلت لهم السعادة؛ لإيمانهم وصلاح أعمالهم {فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} ماكثين في الجنة {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} أبداً لا يخرجون منها {إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ} قال ابن كثير: معنى الاستثناء ها هنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائما، ولهذا "يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.
وقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين، الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها". انتهى
{عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير منقطع، أي: ما أعطاهم الله من النعيم في الجنة دائم لا ينقطع أبداً.
وهذا يدل على أن نعيم الجنة لا يفنى أبداً، وأهلها لا يأتي عليهم وقت إلا وهم في نعيمها، فنعيمهم دائم لا ينقطع.
وقد جاء في الصحيحين: " «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فيُذْبَحُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ".
وفي الصحيح أيضًا: "يُنَادِي مُنَادٍ -أي في أهل الجنة-: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}». انتهى
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)﴾
يقول الله تعالى، لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي في شك {مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ} المشركون، أي: فلا تَكُ في شَكٍّ يا محمدُ مما يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من قومك من الآلهةِ والأصنامِ؛ أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه شرك بالله {مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} فهم مقلدون لآبائهم في شركهم، ولا دليل معهم على ما يفعلونه، ولا أمرهم الله به.
{وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} وإنا لمُتِمُّون لهم نصيبهم من العذاب دون نقص.